محمد هادي معرفة
191
شبهات وردود حول القرآن الكريم
القوم . وليس عن اعتراف بمنشإ هذه التسمية اللغوية . ولا يزال الأطبّاء المعالجون - قديما وحديثا - يعبّرون عن المصاب بهذا الداء بالمجنون وعن نفس الداء بالجنون ، مجاراة مع لغة العامّة ، ولا يعني ذلك اعتقادهم بمسّ الجنّ إيّاه حتميّا . وتلك دور المجانين معدّة لمعالجة المصابين بهذا الداء أو للحراسة عنهم مرسوم عليها نفس العنوان وليس إلّا لأجل التفاهم مع العرف الدارج لا غير . وأمّا قوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ « 1 » فالمراد من المساس هنا هو مسّ وساوسه الخبيثة المغرية ، والتي هي عبارة عن استحواذه على عقلية أهل المطامع ليتيه بهم الدرب ويجعلهم في السعي وراء مطامعهم يتخبّطون خبط عشواء وفي غياهب غيّهم يعمهون . وهذا إنّما يعني استيلاء الشيطان على شراشر وجودهم فعموا وصمّوا كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ . « 2 » اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ . « 3 » قال تعالى - حكاية عن نبيّ اللّه أيّوب عليه السّلام - : إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ . « 4 » أي مسّني ضرّ وساوسه ودسائسه الخبيثة في سبيل إيقاع أولياء اللّه في النصب ومكابدة الآلام ، كما في قوله : إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . « 5 » فمسّ الشيطان هو مسّ ضرّه على أثر دسائسه الخبيثة ، لا الإضرار مباشرة . « 6 » التشبيه في رؤوس الشياطين قال تعالى : أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ . إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ . إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ . طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ . فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ . « 7 » وهذا أيضا أخذوه على القرآن ، حيث التعبير برءوس الشياطين جاء على
--> ( 1 ) البقرة 2 : 275 . ( 2 ) الأنعام 6 : 71 . ( 3 ) المجادلة 58 : 19 . ( 4 ) ص 38 : 41 . ( 5 ) الأنبياء 21 : 83 . ( 6 ) راجع : التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 89 ؛ والميزان ، ج 2 ، ص 436 . ( 7 ) الصافّات 37 : 62 - 66 .